
أصبحت مشروعات البنية التحتية والطاقة والصناعة الثقيلة تمثل العمود الفقري للتنمية الاقتصادية في العديد من الدول، وباتت عقود هذه المشروعات من أكثر العقود تعقيداً من الناحية القانونية والفنية والمالية. ومع تضخم حجم الاستثمارات وتعدد أطراف المشروع، لم يعد مقبولاً الاكتفاء بالصياغات التقليدية لعقود المقاولات، بل ظهرت أنماط تعاقدية متقدمة، في مقدمتها عقود EPC، إلى جانب الانتشار الواسع لنماذج عقود FIDIC كإطار تعاقدي دولي منظم.
غير أن الممارسة العملية أفرزت خلطاً شائعاً بين المفهومين، بلغ حد التعامل مع EPC وFIDIC بوصفهما بديلين متكافئين، وهو تصور يفتقر إلى الدقة القانونية، ويؤدي في كثير من الأحيان إلى اختلال جوهري في توزيع المخاطر، ومن ثم إلى نزاعات معقدة ذات كلفة مالية وقانونية مرتفعة. ويهدف هذا المقال إلى تقديم تحليل قانوني يوضح الفارق الحقيقي بين النظامين، ويبيّن أثر كل منهما على الالتزامات التعاقدية وإدارة المشروع وتسوية المنازعات.
أولاً: عقد EPC – التأصيل القانوني وطبيعة الالتزام
عقد EPC (Engineering, Procurement, Construction) لا يُعد نموذجاً تعاقدياً معيارياً، وإنما يمثل نمطاً لتسليم المشروع يقوم على إسناد كامل مراحل المشروع إلى مقاول واحد، يتولى التصميم الهندسي، والتوريد، والتنفيذ، والتشغيل التجريبي، وصولاً إلى التسليم النهائي.
ومن الناحية القانونية، يُكيَّف عقد EPC بوصفه عقد مقاولة شاملة أو عقداً مركباً يجتمع فيه أكثر من التزام، غير أن جوهره يتمثل في الالتزام بتحقيق نتيجة. فالمقاول لا يلتزم بمجرد بذل عناية في التنفيذ، بل يلتزم بتسليم منشأة تعمل وفق الغرض المقصود منها، وتحقق معايير الأداء والكفاءة المتفق عليها تعاقدياً.
ويترتب على هذا التكييف أن يتحمل المقاول مخاطر التصميم والتكامل بين الأنظمة المختلفة، حتى في الحالات التي يقوم فيها صاحب العمل بمراجعة أو اعتماد التصميم، ما لم يُنص صراحة على توزيع مختلف للمسؤولية. ويُعد هذا المبدأ من أخطر النقاط التي يُساء فهمها في عقود EPC، ويشكل مصدراً رئيسياً للنزاعات.
ثانياً: السمات الجوهرية لعقود EPC وآثارها العملية
تتسم عقود EPC بعدد من الخصائص القانونية المميزة، من أبرزها اعتماد السعر المقطوع، وتحديد مدة تنفيذ صارمة، وربط التسليم النهائي باجتياز اختبارات قبول وتشغيل دقيقة. كما تتضمن هذه العقود عادةً نظاماً للجزاءات الاتفاقية، يشمل جزاءات التأخير في الإنجاز، وجزاءات قصور الأداء حال عدم تحقيق المخرجات التشغيلية.
وتقوم فلسفة EPC على تجميع المخاطر لدى المقاول وتحقيق ما يُعرف بنقطة المسؤولية الواحدة (Single Point Responsibility)، بما يحقق لصاحب العمل قدراً من اليقين المالي والزمني. غير أن هذا النقل المكثف للمخاطر، إذا لم يقترن بصياغة دقيقة لمتطلبات المشروع وحدود المسؤولية، يؤدي عملياً إلى رفع تكلفة العطاءات وزيادة النزاعات بدلاً من تقليلها.
ثالثاً: عقود FIDIC – الإطار التعاقدي والتنظيم الإجرائي
تمثل نماذج عقود FIDIC إطاراً تعاقدياً معيارياً يهدف إلى تنظيم العلاقة بين أطراف المشروع، وليس إلى فرض نمط تسليم بعينه. وتُعد هذه النماذج من أكثر الأطر استخداماً في المشروعات الدولية والممولة من المؤسسات المالية.
وتتميز عقود FIDIC بوضع منظومة متكاملة لإدارة المشروع، تشمل تنظيم الدفعات، والتغييرات، والمطالبات، وتحديد دور المهندس أو ممثل صاحب العمل، فضلاً عن اعتماد آليات متدرجة لتسوية النزاعات. وتختلف درجة نقل المخاطر ومسؤولية التصميم بحسب النموذج المستخدم، سواء كان الكتاب الأحمر أو الأصفر أو الفضي.
رابعاً: الفارق الجوهري بين EPC وFIDIC
يتمثل الفارق الجوهري بين EPC وFIDIC في أن الأول يحدد نطاق الالتزام ووحدة المسؤولية، بينما يحدد الثاني الآليات الإجرائية لإدارة هذا الالتزام. فـ EPC يجيب عن سؤال: من يتحمل مسؤولية تسليم المشروع كاملًا؟ في حين يجيب FIDIC عن سؤال: كيف تُدار العلاقة التعاقدية بين الأطراف أثناء التنفيذ؟
ومن ثم، فإن استخدام أحد نماذج FIDIC، ولا سيما الكتاب الفضي، لتوثيق عقد EPC لا يعني اندماج المفهومين، بل يعكس محاولة تنظيم التزامات واسعة النطاق ضمن إطار إجرائي معياري.
خامساً: توزيع المخاطر وأثر القانون الواجب التطبيق
يمثل توزيع المخاطر جوهر التوازن العقدي في مشروعات EPC وFIDIC. ففي عقود EPC، تنتقل غالبية المخاطر إلى المقاول، بما في ذلك مخاطر التصميم والتكلفة والمدة والتكامل. غير أن فعالية هذا التوزيع تتوقف إلى حد كبير على القانون الواجب التطبيق.
ففي القوانين المدنية، كالقانونين المصري والإماراتي، تخضع الغرامات الاتفاقية وحدود المسؤولية لرقابة القضاء، كما قد تُقيّد شروط السقوط المرتبطة بالإخطار الزمني. أما في الأنظمة الأنجلوسكسونية، فيُمنح العقد سلطاناً أوسع في تنظيم هذه المسائل. ويؤدي تجاهل هذا الاختلاف إلى نتائج قانونية قد تُفرغ التوزيع التعاقدي للمخاطر من مضمونه.
سادساً: إدارة التغييرات والمطالبات
تُعد التغييرات أحد أخطر مصادر النزاع في مشروعات EPC، نظراً لاعتماد هذه العقود على السعر والمدة الثابتين. وفي غياب تعريف دقيق للتغيير، ينشأ خلاف جوهري حول ما إذا كان الحدث مخاطرة أصلية يتحملها المقاول أم تعديلاً تعاقدياً يستوجب التعويض.
في المقابل، تضع نماذج FIDIC نظاماً إجرائياً مفصلاً لإدارة التغييرات والمطالبات، يقوم على الإخطار المسبق والتقييم المرحلي. غير أن فعالية هذا النظام مرهونة بالالتزام الصارم بالإجراءات، وإلا تحولت هذه الآليات إلى مصدر إضافي للنزاع.
سابعاً: طبيعة المنازعات والتحكيم
تتسم المنازعات الناشئة عن عقود إيبيك وفيديك بطابعها الفني والقانوني المركّب، إذ لا تنحصر في مجرد إخلالات شكلية أو مطالبات مالية تقليدية، وإنما تمتد إلى مسائل جوهرية تتعلق بتفسير نطاق الالتزام، وتحديد مسؤولية التصميم والتكامل بين الأنظمة، وتقييم أسباب التأخير، وفحص نتائج اختبارات القبول والأداء، فضلاً عن إثبات العلاقة السببية بين الحدث المدعى به والضرر المترتب عليه. ويزيد من تعقيد هذه المنازعات تداخل العناصر الفنية مع الاعتبارات التعاقدية، بما يجعل الفصل فيها متعذراً بالاعتماد على التفسير القانوني المجرد وحده.
ولهذا السبب، استقر العمل في المشروعات الكبرى على اللجوء إلى التحكيم بوصفه الآلية الأكثر ملاءمة لتسوية هذا النوع من النزاعات، لما يوفره من مرونة إجرائية، وإمكانية تعيين محكّمين ذوي خبرة متخصصة في المجالات الهندسية والفنية ذات الصلة، الأمر الذي يتيح تقيماً أدق لمسائل الأداء، والجدول الزمني، والتكلفة، وحدود المسؤولية. ويُلاحظ في هذا السياق أن جوهر النزاع في عقود إيبيك لا يدور غالباً حول وقوع الإخلال في ذاته، وإنما حول تحديد الطرف الذي يتحمل تبعاته في ضوء فلسفة وحدة المسؤولية والالتزام بتحقيق النتيجة.
وتكتسب آليات فض النزاعات المتدرجة أهمية خاصة في نماذج عقود فيديك، حيث تهدف إلى احتواء النزاع في مراحله الأولى، والحفاظ على استمرارية المشروع، من خلال اللجوء إلى القرارات المؤقتة أو هيئات فض النزاعات قبل الانتقال إلى التحكيم. غير أن فعالية هذه الآليات تظل مرهونة بحسن تصميمها والتزام الأطراف بها. أما في عقود إيبيك المصاغة خصيصاً، فإن غياب إطار إجرائي متوازن أو الاكتفاء بإحالة النزاع مباشرة إلى التحكيم قد يؤدي إلى تصعيد مبكر للنزاع وتعطيل التنفيذ، ما لم تُصمم آلية فض المنازعات على نحو يجمع بين الخبرة الفنية اللازمة والحسم القانوني المنضبط.
رؤية El-Awdn Law Firm & Legal Consultancy
في El-Awdn Law Firm & Legal Consultancy نرى أن عقود المشروعات الكبرى ليست مجرد مستندات قانونية، بل هي خارطة طريق تحدد نجاح المشروع أو تعثره. ومن هذا المنطلق، نتعامل مع عقود EPC ونماذج FIDIC بوصفها أدوات استراتيجية تتطلب فهمًا عميقًا لتداخل الجوانب القانونية والهندسية والتجارية. رؤيتنا تقوم على تحويل العقد من مصدر محتمل للنزاع إلى أداة لإدارة المخاطر وصناعة اليقين، من خلال صياغة دقيقة، وتوزيع متوازن للمسؤوليات، واستباق نقاط الخلاف قبل ظهورها. نحن نؤمن بأن القيمة الحقيقية للمستشار القانوني لا تكمن في معالجة النزاعات بعد وقوعها، بل في بناء إطار تعاقدي ذكي يحمي الاستثمار، ويعزز قابلية التنفيذ، ويدعم استمرارية المشروع في الأسواق الإقليمية والدولية.