
تُعد الشركات ذات الغرض الخاص (Special Purpose Vehicles – SPVs) من أكثر الأدوات القانونية تطوراً في هيكلة المعاملات الحديثة، إذ تُنشأ لتحقيق غرض محدد ومُقيَّد، غالباً ما يرتبط بصفقة أو مشروع بعينه. ويأتي في مقدمة أهدافها القانونية عزل المخاطر (Risk Ring-Fencing)، بحيث تُحصر آثار التعثر أو الخسارة ضمن نطاق الـ SPV نفسها، دون أن تمتد إلى الذمم المالية لباقي شركات المجموعة أو المساهمين، متى احترمت قواعد الاستقلال القانوني.
كما تمثل الـ SPVs أداة فعّالة في تسهيل التمويل، حيث يفضّل الممولون التعامل مع كيان مخصص، يملك أصولاً واضحة، وتدفقات نقدية قابلة للتتبع والتقييم، بما يسمح برهنها أو ترتيب ضمانات عليها دون تعقيد هيكلي. ويُنظر إلى هذا النموذج باعتباره وسيلة لتخصيص المخاطر وليس لإخفائها، وهو ما يمنحه مشروعيته القانونية.
أولاً: الدور الاستراتيجي للـ SPVs في المعاملات المعقدة
تلعب الـ SPVs دوراً محورياً في مجموعة واسعة من المعاملات الكبرى، مثل صفقات الاستحواذ، وتمويل المشاريع، والمشاريع المشتركة، والتوريق، وتنظيم الهياكل الاستثمارية العابرة للحدود. فهي ليست مجرد كيان وسيط، بل تمثل في كثير من الأحيان الوعاء القانوني الذي تُدار من خلاله الصفقة بأكملها.
غير أن تحقيق هذه الوظائف لا يتحقق بمجرد إنشاء كيان مستقل شكلياً، بل يظل مرهوناً بسلامة التصميم القانوني للـ SPV، ومدى التزامها بالغرض المحدد لها، واحترام القواعد الحاكمة للفصل بين الذمم، والحوكمة، والامتثال التنظيمي.
ثانياً: الاستخدامات العملية للـ SPVs في المعاملات الكبرى
في صفقات الاستحواذ، تُستخدم الـ SPV عادةً كـ كيان حائز للأسهم أو الحصص (Acquisition Vehicle)، بما يسمح بعزل ديون التمويل المرتبطة بالاستحواذ عن باقي أنشطة المجموعة، وتنظيم الضمانات المقدمة للممولين، وتسهيل عمليات التخارج أو إعادة الهيكلة المستقبلية.
أما في تمويل المشاريع، فتُعد الـ SPV جوهر المشروع ذاته، حيث تقوم فلسفة التمويل على أن مصدر السداد هو المشروع نفسه، لا الذمة المالية للمساهمين، في إطار ما يُعرف بالتمويل محدود أو منعدم الرجوع (Limited / Non-Recourse Finance). ويُترجم ذلك إلى توزيع دقيق للمخاطر بين الأطراف المتعاقدة.
وفي المشاريع المشتركة (Joint Ventures)، تمثل الـ SPV منصة قانونية مستقلة تجمع الشركاء ضمن إطار حوكمي منضبط، يحدد حقوق الإدارة، ونسب المشاركة في المخاطر، وآليات الخروج، وتسوية النزاعات. كما تُستخدم في معاملات التوريق لعزل الأصول أو الحقوق محل التوريق عن المخاطر الائتمانية للجهة المُنشِئة، بما يعزز ثقة المستثمرين.
ثالثاً: الهيكلة القانونية والحوكمة داخل الـ SPV
رغم بساطة الغرض الظاهر للـ SPV، فإن هيكلتها القانونية تُعد من أدق مراحل إنشائها. إذ يجب أن يتضمن النظام الأساسي قيوداً واضحة على الغرض والنشاط، تمنع التوسع غير المبرر، وتُرسّخ استقلال الكيان. كما يتعين تحديد هيكل الإدارة وصلاحياته بدقة، مع وضع ضوابط صارمة على الاقتراض، والتصرف في الأصول، وإبرام العقود الجوهرية.
وتأتي اتفاقيات المساهمين في صميم هذه المنظومة، إذ تنظّم آليات التمويل، واتخاذ القرار، ونقل الحصص، وتوزيع العوائد، بما يضمن اتساق المصالح ومنع النزاعات المستقبلية. وتمثل الحوكمة الرشيدة داخل الـ SPV شرطاً أساسياً للحفاظ على استقلالها، لا سيما في حالات النزاع أو الإعسار.
رابعاً: استقلال الشخصية الاعتبارية ومعيار الفصل الحقيقي بين الذمم
إن الحماية القانونية التي توفرها الـ SPV لا تقوم على مجرد وجود شخصية اعتبارية مستقلة، بل على الالتزام الفعلي بمعيار الفصل الحقيقي بين الذمم (Corporate Separateness). ويتحقق ذلك من خلال استقلال الحسابات البنكية، والسجلات المحاسبية، وقرارات الإدارة، والتدفقات المالية، ومنع خلط الموارد أو الصلاحيات داخل المجموعة.
ويُعد هذا الفصل عنصراً حاسماً في تقييم القضاء لمدى مشروعية استخدام الـ SPV، إذ إن أي إخلال جوهري به قد يُفقد الكيان حمايته القانونية.
خامساً: حدود رفع الحجاب القانوني ومسؤولية إساءة الاستخدام
لا يتردد القضاء في تجاوز الشكل القانوني ورفع الحجاب عن الـ SPV إذا ثبت استخدامها كأداة للغش، أو التحايل على الدائنين، أو إخفاء المسؤولية، أو خلط الذمم. ويُعرف هذا المبدأ في الفقه المقارن برفع الحجاب القانوني (Piercing the Corporate Veil).
ويُعد خطر إساءة الاستخدام من أبرز التحديات المرتبطة بالـ SPVs، إذ قد يؤدي إلى امتداد المسؤولية إلى الشركة الأم أو المساهمين، بما يُفرغ الكيان من الغاية التي أُنشئ من أجلها. ومن ثم، فإن الالتزام بالقواعد الشكلية والموضوعية لا يُعد إجراءً تنظيمياً فحسب، بل يمثل خط دفاع قانوني جوهري.
سادساً: المسؤولية القانونية للـ SPV تجاه الغير
الأصل أن تقتصر مسؤولية الـ SPV على ذمتها المالية، غير أن هذا الأصل قد يُقيَّد عملياً عبر الضمانات والكفالات والتعهدات المباشرة التي تقدمها الشركة الأم أو المساهمون، فضلاً عن حقوق التدخل الممنوحة للممولين. وتفرض هذه الترتيبات صياغة تعاقدية دقيقة، لتجنب انتقال التزامات غير مقصودة أو تحميل أطراف ما لم يكن ضمن نطاق الصفقة.
سابعاً: الاعتبارات التنظيمية والامتثال والشفافية
تخضع الـ SPVs للأطر التنظيمية في الدولة التي تُنشأ فيها، بما يشمل متطلبات الترخيص، والإفصاح عن المالكين المستفيدين، والامتثال لقواعد مكافحة غسل الأموال، والالتزامات الضريبية. ويُعد احترام هذه المتطلبات شرطًا أساسياً للحفاظ على سلامة الكيان، وتجنّب إعادة توصيف المعاملة أو فقدان المزايا القانونية والتنظيمية المرتبطة بها.
رؤية El-Awdn Law Firm & Legal Consultancy
في El-Awdn Law Firm & Legal Consultancy ننظر إلى الشركات ذات الغرض الخاص بوصفها أدوات قانونية دقيقة لا تحتمل الصياغة العشوائية أو الاستخدام الشكلي. فالقيمة الحقيقية للـ SPV لا تكمن في إنشائها، بل في حسن هيكلتها، وضبط حوكمتها، وربطها تعاقدياً بالصفقة أو المشروع الذي أُنشئت من أجله، مع الالتزام الصارم بالقواعد القانونية والتنظيمية ذات الصلة.